فخر الدين الرازي
97
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الأديم إذا مد زال كل انثناء فيه واستوى والثاني : أنه مأخوذ من مده بمعنى أمده أي يزاد في سعتها يوم القيامة لوقوف الخلائق عليها للحساب ، واعلم أنه لا بد من الزيادة في وجه الأرض سواء كان ذلك بتمديدها أو بإمدادها ، لأن خلق الأولين والآخرين لما كانوا واقفين يوم القيامة على ظهرها ، فلا بد من الزيادة في طولها وعرضها ، أما قوله : وَأَلْقَتْ ما فِيها فالمعنى أنها لما مدت رمت بما في جوفها من الموتى والكنوز ، وهو كقوله : وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [ الزلزلة : 2 ] وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [ الانفطار : 4 ] و بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ [ العاديات : 9 ] وكقوله : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً * أَحْياءً وَأَمْواتاً [ المرسلات : 25 ، 26 ] وأما قوله : وَتَخَلَّتْ فالمعنى وخلت غاية الخلو حتى لم يبق في باطنها شيء كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو ، كما يقال : تكرم الكريم ، وترحم الرحيم . إذا بلغا جهدهما في الكرم الرحمة وتكلفا فوق ما في طبعهما ، واعلم أن التحقيق أن اللّه تعالى هو الذي أخرج تلك الأشياء من بطن الأرض إلى ظهرها ، لكن الأرض وصفت بذلك على سبيل التوسع ، وأما قوله : وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ فقد تقدم تفسيره إلا أن الأول في السماء وهذا في الأرض ، وإذا اختلف وجه الكلام لم يكن تكرارا . [ سورة الانشقاق ( 84 ) : آية 6 ] يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ( 6 ) اعلم أن قوله تعالى : إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ إلى قوله : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ [ الانشقاق : 1 - 6 ] شرط ولا بد له من جزاء واختلفوا فيه على وجوه أحدها : قال صاحب « الكشاف » : حذف جواب إذا ليذهب الوهم إلى كل شيء فيكون أدخل في التهويل وثانيها : قال الفراء : إنما ترك الجواب لأن هذا المعنى معروف قد تردد في القرآن معناه فعرف ، ونظيره قوله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [ القدر : 1 ] ترك ذكر القرآن لأن التصريح به قد تقدم في سائر المواضع وثالثها : قال بعض المحققين : الجواب هو قوله : فَمُلاقِيهِ وقوله : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً [ الانشقاق : 6 ] معترض ، وهو كقول القائل إذا كان كذا وكذا يا أيها الإنسان ترى عند ذلك ما عملت من خير أو شر ، فكذا هاهنا . والتقدير إذا كان يوم القيامة لقي الإنسان عمله ورابعها : أن المعنى محمول على التقديم والتأخير فكأنه قيل : يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كادحا فملاقيه إذا السماء انشقت وقامت القيامة وخامسها : قال الكسائي : إن الجواب في قوله : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ [ الانشقاق : 7 ] واعترض في الكلام قوله : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ والمعنى إذا السماء انشقت ، وكان كذا وكذا من أوتي كتابه بيمينه فهو كذا ومن أوتي كتابه وراء ظهره فهو كذا ، ونظيره قوله تعالى : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [ البقرة : 38 ] ، وسادسها : قال القاضي : إن الجواب ما دل عليه قوله : إِنَّكَ كادِحٌ كأنه تعالى قال : يا أيها الإنسان ترى ما عملت فاكدح لذلك اليوم أيها الإنسان لتفوز بالنعيم / أما قوله : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ففيه قولان : الأول : أن المراد جنس الناس كما يقال : أيها الرجل ، وكلكم ذلك الرجل ، فكذا هاهنا . وكأنه خطاب خص به كل واحد من الناس ، قال القفال : وهو أبلغ من العموم لأنه قائم مقام التخصيص على مخاطبة كل واحد منهم على التعيين بخلاف اللفظ العام فإنه لا يكون كذلك والثاني : أن المراد منه رجل بعينه ، وهاهنا فيه قولان : الأول : أن المراد به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم والمعنى أنك تكدح في إبلاغ رسالات اللّه وإرشاد عباده وتحمل الضرر من الكفار ، فأبشر فإنك تلقى اللّه بهذا العمل وهو غير ضائع عنده الثاني : قال ابن عباس : هو أبيّ بن خلف ، وكدحه جده واجتهاده في طلب الدنيا ، وإيذاء الرسول عليه السلام ، والإصرار على الكفر ، والأقرب أنه محمول على